فرصة أخرى مهدورة. هو ذا الارتسام الأول الذي يفرض نفسه عند الاطلاع على نتائج الانتخابات التي دارت في بلادنا يوم الأحد 25 أكتوبر 2009.جاءت هذه النتائج منسجمة مع التوقعات الأكثر تشاؤما و المنطلقة من وضع الانغلاق السائد الذي سبق الانتخابات و تواصل خلالها. أما تفاؤلنا- على نسبيته- فقد اصطدم برفض مرشح التكتل للانتخابات الرئاسية، ثمّ برفض جلّ قائمات الحزب المرشحة للانتخابات التشريعية- أي سبع عشرة قائمة من جملة أربع و عشرين قدّمناها- مما حال دون تبليغ صوتنا إلى ما يقارب ثمانين في المائة من الناخبين و الناخبات. لقد كانت النية واضحة في تقليص فضاء مشاركتنا في نفس الوقت الذي عبرنا فيه عن إرادة لا تقل وضوحا في تحريك الحياة السياسية عبر أوسع مشاركة ممكنة، و ذلك على الرغم من أن جلّ المؤشرات تدفع نحو عدم المشاركة نضرا إلى غياب حياد الإدارة و عدم تكافئ الفرص بين الأطراف المتنافسة.
على أنّ تفاؤلنا لم يحجب عنا صعوبة الظرف و حجم العراقيل، مما جعلنا باستمرار نؤكد على أنّ الرهان هو بالأساس رهان سياسي و على أن جوانبه الانتخابية قد تفتح لنا - في أفضل الظروف -إطارا إضافيا للمشاركة في المشهد السياسي و إبلاغ صوتنا و مواقفنا حول أمهات القضايا الوطنية.
و لا بدّ لنا من الإقرار بأنّ هذا الرهان، بحكم ما تعرّضنا إليه من محاصرة، لم يتحقق إلا جزئيا. و لكن الأخطر هو أن فرصة الانتخابات - و هي فرصة لا تتكرر إلا كل خمس سنوات - ضاعت على شعبنا الذي اتفق جميعنا - سلطة و معارضة - على أنه جدير بحياة سياسية تعددية و متطورة.
إن ما حدث قبل الانتخابات و خلال الحملة الانتخابية، و كذلك ما أفضت إليه هذه الانتخابات من نتائج لن يغير شيئا من توجهاتنا و من الأهداف و المبادئ التي انبنى عليها حزبنا، التكتل الديمقراطي من أجل العمل و الحريات. إننا دعاة خير لتونسنا العزيزة التي نعتقد جازمين أن تشريك كل الكفاءات و الطاقات التي تزخر بها، و بدون استثناء، هو الكفيل وحده لرفع تحديات اليوم و مواجهة صعوبات الغد و في مقدمتها أزمة البطالة التي تعصف بخيرة شبابنا. و لن تزيدنا العراقيل إلا إصرارا على النضال من أجل إحكام تنظيم صفوفنا و جمع القوى الديمقراطية و مكونات المجتمع المدني المؤمنة بضرورة الإصلاح. كما أن ظروف الانتخابات الأخيرة أكدت لنا أن هذا الإصلاح يمر حتما عبر مصداقية صندوق الاقتراع التي تتطلب إدارة محايدة تضع دواليبها في خدمة مجتمع المواطنة دون حيف أو تمييز. كما تتطلب المزيد من اليقظة لدى المواطن و من الاقتناع بأن مصيره مرتبط إلى حد بعيد بما يفرزه الصندوق و أنه المؤتمن الأول عليه. عندها تصبح الانتخابات بحق محطة للتقويم و الحوار السياسي بامتياز لا مجرّد طقوس يتحكم فيها الإجراء الإداري و يطغى عليها الطابع الاحتفالي.
بقلم د.مصطفى بن جعفر