من العبارات والكلمات المفتاحيّة في خطاب السلطة والدائرين في فلكها أثناء الحملة الانتخابيّة ثم خاصّة منذ يوم الاقتراع في 25 أكتوبر الماضي وحتى يومنا هذا.. عبارة الاستقواء بالأجنبي وعبارات وكلمات أخرى ربطوها بها ورتّبوها عليها ووصلت إلى حد التخوين ، والولاء للخارج ،وانعدام الوطنيّة ... وغير ذلك مما حُشي به القاموس السياسي والإعلامي ممّا يدرك أصحابه أو لا يدركون أبعاده بل أخطاره وآثاره المخرّبة على وحدة المجتمع وحرّية الرأي والتعبير .وقد تحاشينا الخوض في هذه المسألة تاركين للناعقين في أبواق الإعلام الرسمي والمتذيّلين للسلطة الفرصة لمحاسبة ضمائرهم والارتداع عن صنيعهم ،كما اعتبرنا أن الأمر لا يعنينا ولا يعني المعارضة الديمقراطية الجادة لا من قريب أو بعيد ..وإنّما قد يعني هؤلاء الناعقين أنفسهم الذين طالما استعْووا بالأجنبي وبحثوا عنده عن شهادات التميّز والعظمة ليغسلوا بها دماغ الرأي العام الداخلي والخارجي !!
أمّا الآن ، وقد ربط أحد السادة أعضاء الحكومة في متابعاته بالتلفزة الوطنيّة التي تُموّل من مال الشعب بين ما يزععمونه من استقواء بالأجنبي وعدم فوزنا نحن وبعض فصائل المعارضة الديمقراطية الجادّة في الانتخابات التشريعية ..فإنّ الأمر أصبح يقتضي منّا التصدّي لهذه التهم الكيديّة ووضع النقاط على الحروف، حتّى لا يكون السكوت دليلا لديهم على الإقرار بهذه الظنون الآثمة .
إنّ أول ما ينبغي قوله هو أنّ تهمة الاستقواء بالأجنبي التي تُروج لها السلطة وأتباعها تهمة افتراضية مجرّدة بالنسبة إلى الرأي العامّ الذي لم تعد تنطلي عليه مثل هذه الأساليب التحريضيّة المغرضة . فالسلطة لا توضّح للرأي العام ما تعنيه بهذا الاستقواء ولا تقدّم أي دليل أو معلومات عن مكانه وزمانه ومحتواه وفاعليه ، ولا تتيح للرأي العام إمكانية فهم الموضوع من مختلف جوانبه والحكم في شانه الحكم الواعي السليم . يترتّب على ما سبق أنّ السلطة بصنيعها هذا تؤلب فئات من أنصارها على المعارضة الديمقراطية الجادّة وقد يصل الأمر ببعضهم إلى تعنيف المعارضين أدبيا وماديا، وعندئذ سيكون الجرم عظيما و الإساءة إلى الوطن بالغة ، وهو ما لا نتمنّاه لأنّ بلادنا عاشته في بعض فترات تاريخنا المعاصر وذهب ضحيته أبرياء لا ذنب لهم سوى إصرارهم على حرية الرأي والتعبير والتنظيم. على أنّ أهم ما ينبغي أن نصارح به مجدّدا، السلطة والرأي العام، هو أن المعارضة الديمقراطية الجادة متمسكة بحقها في العمل السياسي في إطار الدستور وقانون الأحزاب وسائر القوانين وقيم النظام الجمهوري .لذلك فإنّها لا ترى الوطنيّة الحقّ في الولاء للسلطة وإنما في الولاء للوطن أوّلا وأخيرا . وإنّ العمل السياسي الجادّ الهادىء الذي نسعى ،رغم كلّ الصعوبات ، إلى الاضطلاع به هو واجبنا وحقنا،وهو ولاؤنا للوطن ونحن لا نخلط ولا نقبل الخلط بين الولاء للسلطة والولاء للوطن .لذا فعلى السلطة أن تتقّي الله في الوطن وفي مواطنيها، وأن تكف عن تأليب بعضهم على بعض، لأنّ في ذلك تحريفا للمفاهيم والقيم ،وإيذانا بالفتنة ، و خدمة لمصالح سلطوية وحزبيّة ضيّقة ما أبعدها عن المصالح الوطنية العليا.
ولقد آلينا على أنفسنا في التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات أن نخدم الوطن دون سواه، لأننا نحبّ البلاد كما لا يحب البلاد أحد .
بقلم عبد اللطيف عبيد
اقرأ الجريدة